السبت، 19 مايو 2012

شوكولاتة


أفسحت له المجال ليختار ..
حررته من القيد .. فشد الوثاق ..
أرشدته إلى الطريق .. فآثر البقاء ..
نسلت عنه يدها .. فشُغف بها أكثر ..
أُمطر داخلها الجدْب .. فأَورق لها الوفاء ..
بكت دموعا من قهر .. فأهداها شوكولاته ..
بعضٌ من ( شوكولاته ) ..
قريباً في كتاب ..



المرآة



اقتربت منها حتى لاصقتها .. تسمّرت أمامها ..مثل عوالم من خيال أسَرَتها .. و كأن دثار المساء غدا شرنقة من حرير و ذهب .. غشيها سحر ما .. طاقة خفية فاجأتها فانسكبت غارقة في مسام جسدها .. أحسّت معها بأنها أخرى .
بهرها هذا الحصار المباغت الذي أحاطها فجأة .
صباحها ذاك لم يكن عاديا.. شيئا ما بدا لها مختلفا..
صافحت كبرياءها.. فنَسَلت منها خيط ذهب وغادرت المكان.
بعضٌ من ( المرآة ) ..
قريباً في كتاب ..



الطيف


" كنتِ هناك .. تقلّبين صفحة كتابك .. وتلوح لي بين كلماته نداءات حرف وحيد يشتاق أن يخط على صدر صفحته أول كلمة في مشوار عُمْر .. باغتني عشقك .. أخذتِ بتلابيب قلبي .. وسرقْتِني مني على حين غفلة .. مني " .
اقتطف برعم ورد .. و غرسه بين ثنايا شعرها المسدول على كتفيها ..
سار معها بمحاذاة النهر .. حيث عزفت ترانيم هديره موعدهما الأول ..
بعضٌ من ( الطّيف ) ..
قريباً في كتاب ..



قل لي لمن تقرأ .. أقل لك من أنت


قل لي لمن تقرأ أقل لك من أنت
 
بقلم: العنود السعد
كنت دائما أفخر بذاتي حينما يصفني البعض بـ " مثقفة " .. فأتخيلني أقبع في ذلك الليوان الفسيح محاطة بجهابذة الفلاسفة والمثقفين نرتدي نظارات بعدسات سميكة يتسع خلفها محيط الأعين و يتضاعف حجمه عن الطبيعي .. و تتناثر حولنا الكتب والمجلدات في جلسة أدبية ثقافية أفخر بكوني أحد أطرافها ..
و لكن .. و عندما يصبح الواقع مخالفا للخيال و طامسا لأجمل معالمه لا أملك إلا أن أردد " نعم .. هنا السعودية " ..
لست بسلبية ولا متشائمة ولا نابذة لمجتمع ولدت فيه وعشت فيه ونشأت داخل محيطه و أفخر بأني منه .. لكن أنتقد ما آلت إليه ثقافتنا الغرّاء و ما وصلت إليه بعض العقول ..
ما دفعني لكتابة هذا المقال هو " اشمئزازي " من ما تابعته وتابعه الكثيرين غيري من معركة حوارية ومشادة كلامية بين اثنين من أعلامنا " الثقافية " تحديدا الكاتب صالح الشيحي والروائي عبده خال و بالتأكيد تلك المداخلة الهاتفية الصادمة للكاتب أحمد العرفج .. و يا لهولها من مداخلة مشحونة بالتحدي .. وبالطبع لا أنسى ذكر الطعام و البوفيه الذي اعتبره العرفج جُلّ هم المثقفين في الملتقيات الثقافية ..
لن أصف ما سمعت فقد سمعه الكثير ولن أزيد عليه .. ولكن السؤال الفارض نفسه بلا هوادة " هل هذا ما آلت إليه ثقافتنا السعودية ؟؟ " .. مجرد تكرار لكلمتي ( خزي و عار ) ؟؟ و حتى اليوم لا استطيع أن أجد تفسيرا محددا للخزي والعار الذي شاهده الشيحي في ذلك البهو الذي أصبح في يوم وليلة مزارا شعبيا في مخيلة المشاهدين الذين ما انفكوا يتخيلون الحدث الجلل الذي حدث في تلك الليلة ..
أو أن الثقافة هي تتبع لعورات الناس و تفسير تحركاتهم و تصرفاتهم وفق ما نفكر فيه نحن و ليس كما هي في الواقع ؟؟ ..
إن كان هذا حال بعض مثقفينا فلا لوم ولا عتب على القراء والمتابعين .. فقبل هذه الحادثة بفترة وجيزة عصفت في موقع تويتر عاصفة من نوع آخر .. أطرافها كتاب فارغ للكاتب و الاعلامي تركي الدخيل والطرف الآخر عدد مهول من القراء والمتابعين ..
سأغض الطرف عن مسألة مدى تقبلي لفكرة الكتاب أو رفضي لها و سأتحدث عن ما آلمني مما رأيت وقرأت في ذلك الهاشتاق التويتري .. والهاشتاق لمن لا يعرفه هو مربع صغير شبيه بساحة كبيرة تجمع أناسا من مختلف الجنسيات و الثقافات والأعمار يطرحون فيه موضوعا معينا يخص شخصية ما او حدثا معينا او قضية محددة .. و تمتليء تلك الساحة بالتغاريد .. بعضها أشبه بترانيم البلابل و بعضها لا مرادف له و لا وصف سوى تسميته ( نعيق غربان ) ..
على مدار أسبوع كامل لم يكتفِ التويتريون بنقد الكتاب الفارغ بل تعداه إلى شن الهجوم القادح لشخص الكاتب تركي الدخيل بكلمات جوفاء تتخطى حدود النقد الهادف و تخالف آداب الحوار ..
مأخذي الوحيد على الكتاب الفارغ هو صدوره في مجتمع لا يتقبل الجديد .. ولا يقرأ ما بين السطور حتى وإن لم يُكتب سطرا واحدا في تلك الصفحات البيضاء .. مجتمع _ ويا للأسف _ يصطاد في الماء العكر .
تنوعت الهجمات و تشكلت وفق أدمغة القراء و مفاهيمهم و تنوعت بتنوع مفرداتهم و أقاويلهم .. فتارة تُنتقد الفكرة و تارة يُشتم الكاتب .
فكرت يومها بأن أقتني كتابه الفارغ لسبب واحد فقط .. سأخط فيه كلمة شكر له من صميم قلبي .. سأكتب : " شكرا لأنك بكتابك الفارغ أثبَتّ لي بأننا شعب الله المختار في ضحالة الثقافة و انعدام الاحترام .. شكرا لهذه الصفحات البيضاء التي لوّثتها نقاطا سوداء في تاريخ ثقافتنا و مثقفينا .. شكرا لهذه المساحة الفارغة لأبصم فيها بالعَشرة بأننا لن نتغيّر و لن نتطور .. و أن الفراغ هو في تلك آلعقول التي نخرها الخواء و اعتلاها صدأ الجهل .. شكرا لك " ..

بعد هذه الأحداث المتتالية اقتنعت بأنه ليس مهما ما نقرأ .. المهم أن ما نقرؤه يهذبنا ..
و ليس مهما لمن نقرأ .. المهم أن يستحق فعلا لقب " مثقف " ..

كلمة أخيرة ..الثقافة هبة من الله و أخلاق و تهذيب و حسن معاملة قليل فقط من يتشرف بنيلها..








مقالي المنشور في " المفكرة الإعلامية " ..
http://www.themedianote.com/article/245/%D9%82%D9%84-%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%A3%D9%82%D9%84-%D9%84.aspx



جنية في مهمة رسمية


قال أحدهما : " مجرد خيالات .. لابد وأنه تيار هواء تسبب في فتح الباب على هذا النحو .. عدن إلى النوم "..  عندها استجمع الصغير قواه و صرخ مستنكرا: " أنا كنت معهما ورأيت ما حدث .. هناك جني في البيت .. ألم أخبركم ما حدث معي وأنا ألعب بالكرة عصر هذا اليوم ؟ عندما قذفتها نحو السطح ثم عادت إلي مرة أخرى لا أدري كيف ومن أين !! .. صدقونا هناك جني في البيت " ..
"جني ؟؟ .. لو سمحتم لي أنا جنية .. أنا فتاة .. رفقا بالقوارير رجاءا .. "

بعضٌ من .. ( جنّية في مهمة رسمية ) ..
قريباً في كتاب

الأحد، 19 فبراير 2012

ماذا لو تم حجب تويتر ؟؟ ..



ماذا لو تم حجب " تويتر " ؟؟ ..




في منتصف الشهر الماضي دار جدلا واسعا في الوسط "التويتري" حول نص قانون يفرض حجب محتوى "بعض" التغريدات في بعض الدول بناءا على طلب من حكوماتها مما أثار حفيظة المغردين و دعاهم إلى مقاطعة تويتر ليوم واحد احتجاجا على هذا القرار .
لست أدري إن طُبّق القانون أو ليس بعد ..  أو أنه كان مجرد زوبعة في فنجان ..
دفعني هذا الموضوع إلى القيام بتجربة بسيطة تأكدت من خلالها بأنه لو تم حجب تويتر بالكامل فسننقطع عن العالم بأكمله .
فاحتجبت أنا قبل أن يُحجَبَ عني ..

لثلاثة أيام متواصلة قاطعت تويتر و الفيسبوك .. كما شملت المقاطعة كل من تشملهم قائمة الأصدقاء في جهازي البلاك بيري .. أو كما يُعرف بالـ (bbm ) .. باختصار قطعت كل السبل للتواصل الإجتماعي مع جميع من أعرف من خلال التقنيات الحديثة و الإعلام الجديد ..  باستثناء الرسائل النصية و المكالمات الهاتفية ..
قد تبدو فترة الـ 72 ساعة قليلة ولا تكفي لمقاطعة قد تجدي نفعا أو لا .. ولكن لشخص قد اتخذ مواقع التواصل الاجتماعي متكئا له فهذه السويعات ستمر عليه ثقيلة وطويلة .. كما حدث معي بالضبط و يحدث مع الكثيرين غيري ..
خلال الساعات الأولى ومع بدء المقاطعة غششت كثيرا .. فكنت استرق النظر للتحديثات في قائمة البلاك بيري .. و اقتحمت تويتر خلسة لأكثر من مرة .. و بصعوبة شديدة تفوقت على نفسي و امتنعت عن عمل " ريتويت " أو كتابة تعليق " على الطاير " ..
بتثاقل مرت الثلاثة أيام و كأنها دهرا بأكمله .. و ما أن انتهت مقاطعتي حتى انقضضت على " تويتر " مثل الفارس الذي استل سيفه عن غمده و راح يصول ويجول في ساحة المعركة .. و أنا أردد : " ياااه .. فاتني الكثير " ..

سأخص هنا مجمل حديثي عن " تويتر "  لما لدوره البارز في جذب جميع الفئات العمرية من أنحاء العالم و قدرته على متابعة مجريات الأحداث في جميع الشؤون السياسية و الإجتماعية والدينية و الإنسانية بخلاف " الفيسبوك " الذي يركز أكثر على التعارف و الصداقات.. هذا كما أرى .

بعد شهر سأكمل عامي الأول و أنا طيرٌ في رياضه .. و رغم بحة تغريداتي المتواضعة  والتي لم تتجاوز الألفين ونصف تقريبا .. إلا أني أجده ساحة شعبية جيدة للتعرف على بعض شخصيات المجتمع و المشاهير في جميع المجالات .. و أكاد أجزم بأنه بات أكثر أهمية من المحطات الإخبارية المتلفزة في نقل الأخبار و تحليلها و فرز المحادثات السياسية و غربلة نتائجها .

مع تويتر نتجاوز هالة الشهرة والأضواء المحيطة بالمشاهير من إعلاميين وكتّاب و فنانين و نلمس بعضا من أعماقهم من خلال ردودهم و نقاشاتهم و تعاطيهم مع المتابعين والتي تعكس لمحات من شخصياتهم الحقيقية .. يُفاجئنا البعض حد الصدمة .. و البعض الآخر يرتفع شأنه و يُثقَلُُ ميزان احترامه و تُدمَن تغريداته .

مع تويتر لا تهم متابعة الأخبار فور بثها على التلفاز  قدر الاهتمام بمتابعة تَبِعاتها و ضجة الآراء التي ستُطرح حولها في رياضه .

مع تويتر بات شكل المربع رمزا جاذبا لحوارات لا تكاد تخلو من الفكاهة و المرح أحيانا و هجمات شرسة أحايين أخرى ..
مربع صغير أشبه ببطاقة دعوة تُدخلنا إلى عوالم أخرى أبعد من تصوراتنا .

مع تويتر أصبح للمفردة أبعادا مختلفة للفهم و الاستيعاب .. أبعادا تتجاوز كونها منظومة من أحرف .. و حتى الحرف أصبح له قيمة بعد أن قُنّن و حُدّدت مساحة مَدِّه .

مع تويتر قامت ثورة و طورد شخص و ارتُدَ آخر .. هوجم كِتاب و انتُقد بهو و سقطت أقنعة .. و كأي مكان في عالمنا غادره أشخاص غيّبهم الموت مُبقيا على أسمائهم ذكرى لنا ..

مع تويتر تبهت الأسماء و الجنسيات و الثقافات حتى تكاد تنطفيء ولا يبقى لنا سوى الأخلاق تضيء و تبرق ..

مع تويتر ضغطة زر واحدة قد تقلب الدنيا رأسا على عقب ..

مع تويتر " الجايّات أكثر " ..

اعتقدت سابقا أنه لو تم حجب تويتر لن يتوقف زحف مواقع التواصل الإجتماعي إلى داخل بيوتنا و حصار حياتنا و سيستمر هذا الزخم من المواقع انهماره و اقتحامه تفاصيل أيامنا .. لن تتوقف الحياة بحجبه  بل ستستمر ما استمر الإنترنت و سيُستَبدل بما هو أفضل .. ولكن .. كنت مخطئة .
تويتر اليوم إنجاز القرن و صوتا لن يُضاهيه أو يعلو عليه صوت .

أختم بتساؤل ما انفك يحاصرني خلال فترة انقطاعي :
مواقع التواصل الإجتماعي هل هي فعلا أسيرة عالم افتراضي تمنعنا تجاوزه شبكة عنكبوتية .. أم هي الحقيقة كاملة ؟؟ ..
الله أعلم .

السبت، 28 يناير 2012

New year غير

New year غير



كنت أتربع أمامه ممتلئة بالملل .. لا جديد فيه يجذب في هذه الليلة الفاصلة بين (أمس) و( بكرة ) .. ليلة قد تبدأ معها حياة .. أو تنتهي ..
استشعر امتعاضي فعرض عليّ جولة أحلق بها إلى عوالم أخرى _ كما وعد _ فوافقت راضخة و متأملة خيرا ..
على عجل حضّرت مشروب المساء ( قهوتي المعتادة ) و تجهزت لهذه الأمسية .. منارتي فيها "بصيص تفاؤل" ..

بدأت تجوالي في ربوع بلادي .. مُدُني الساكنة الهادئة الأشبه بامرأة عجوز متصابية .. ترتدي عباءتها التقليدية المستنسخة منذ أجيال .. بذات الموديل و ذات الطراز و ذات النمط في الارتداء .. هرمة هي و ستبقى هرمة رغم محاولاتها المستمرة للتطور والتجديد إلا أن تقاليد الماضي باتت متأصلة فيها بفرض سيطرة رقيبها الماكنة ..
يُخيّل إليّ أحيانا بأنها تهاب التطور خشية انسلاخها عن أصولها و جذورها مكتفية بتصابيها الممل و الذي بات  محط سخرية البعض ..
لا جديد .. غادرتها ومضيت ..

مررت بحشد من الناس .. جموع غفيرة بفئات عمرية مختلفة .. أطفالا و رجالا و نساء من عدة جنسيات نصبوا خياما بيضاء ترفرف فوق نواصيها أمجاد ثورة .. ثائرين حانقين و معارضين .. نُقش على وجوههم الغضب و خُطّ على أجسادهم تاريخ عُمر .. يتهافتون على غرس شهدائهم بتلاتٍ مزهرة على أنقاض حريق ..سُقياها جداول من دماء .. سألتهم : " ما هي النية ؟؟ " .. أجابوني بصوت واحد صارخ : " الشعب يريد .. وطن جديد  .. الشعب يريد .. وطن جديد" ..
تركتهم خلفي أصفق كفّاً بِخَد على ما آلت إليه بعض الحكومات .. و كَفّي الأخرى رفعته أرتجي النصر من الله ..   

توقفت عند ناصية شارع غريب .. مبهم وعجيب .. فاض بالفتيات .. منهن السمراء والشقراء والبيضاء .. وقفن متراصات بعد أن اصطبغت وجوههن بألوان الطيف .. خلفهن لوحة كتب عليها لغز .. ( مدينة أسوارها خضراء وبيوتها حمراء وسكانها بيض وسود ) .. وقفت برهة أتلصص عليهن من خلف سور .. سمعت صوت أحدهم يتحدث معهن محاولا حل اللغز الصاعق .. الصادم في الموضوع أن الشخص الذي حل اللغز خطئا " عامدا " اختفى خلف جدار وارتدى قناعا آخر ثم عاد إليهن .. و كان جوابه خاطئا أيضا كسابقه .. ثم عاد واختفى خلف الجدار ليتخفى تحت قناع آخر .. أقسم بالله بأنه نفس الصوت ونفس الرجل ولكن بلهجات مختلفة ..
 يا عالم .. هل نحن أغبياء إلى هذا الحد ؟؟ " .. منذ أن تفتقت عيناي عن رموشها و هذا اللغز يتداوله الجميع حتى صار جوابه بديهيا و لا يصعب حله حتى على الطفل الصغير.. البلية ليست في الإجابات الخاطئة .. بل شر البلية في المحاولة الغبية لجذب الجماهير بهذه الطريقة " البطيخية القرعاء " و هذا الأسلوب الفضائحي الركيك ..
طوّقتني نوبة من الضحك أطاحت بي أرضا شدتها .. ضحكت على حال هذه الأمة و صرفها للألوف المؤلفة لإنشاء مثل هذا الشارع المضحك المبكي .. ليس سوى محطة نصادفها عابرين لنتجرع بعض ضحك و نغادر .. كما غادرتهم و أنا أصفع بقهقهتي زيف دعايتهم و سُخف مُمَوّلهم .. و يا أمة ضحكت من جهلها الأمم ..

توقفت برهة في بيروت .. هذه الفتاة المغناج المدللة .. لا أراها إلا ضاحكة و مستبشرة رغم صِداَماتها  و صَدْماتها ..
كانت هناك امرأة تجلس على طاولة مستديرة و التَفّ حولها لفيف من المشاهير ينصتون إلى حديثها بكل ترقب و توجس .. جئتُ بمقعد و جلست معهم و رحت أنصت لما تقول ..
مجموعة توقعات و تنبؤات للعام القادم بعد دقائق .. بعضها مرعب و الآخر مبهج و الباقي في( علم الغيب !! ) و هل جميع ما تَوقعْتْه و تنبأتْ بحدوثه هو كائن لا محالة ؟!!!!!..
حقيقة تأثرت بما قالته حد تصديقه .. وما أن وصلت إلى هذه المرحلة من القلق قفزت عن مقعدي و بعدت عنهم و أنا اتمتم " كذب المنجمون ولو صدقوا " .. و أتمنى أن لا تصدق توقعاتها المخيفة تلك .. أتمنى ..

و أنا أسير تعثرت بحجر فوقعت أرضا بجانب أحد الأبواب .. لم يستوقفني ألم الوقعة  قدر ما استوقفتني الأصوات الصادرة من ذلك البيت .. بكاء ونحيب .. خبط وخبيط وصراع و عراك .. بيت مشحون بالغضب و الهم والغم والنكد .. ركضت هاربة منهم مثل الهارب من دب أسود و شرير .. و( عشرة ما يلحقوني ) .. هربت خوفا من انتقال العدوى السوداء تلك إلي .
نفضتُ غبار الحَزن عن ردائي و أنا أدعو الله من صميم قلبي أن تتبدل أحوال مجتمعاتنا الخليجية إلى أحسن حال و أن يتغير واقعنا إلى الأفضل لتُعبّر عنه الصور بمرح أكبر و ألوان جديدة أجمل ..

و فجأة لفت انتباهي مسرح للدمى .. اقتربت منه قليلا و أنا أرشف قهوتي على أمل بأن أجد الجديد المتجدد هنا.. ولكن و كما توقعت و مثل ما بدأ مشوار هذا المسرح منذ ما يقارب السبعة عشر عاما و حتى اليوم وهو على ذات المنوال و التقنية .. مجرد دمى ملونة و جميلة صنع بعضها في المكسيك و البعض الآخر في فنزويلا و الجديد الذي انضم إلى رَكْبها هو صنع تركيا .. الصوت يُناقض الشكل .. و الكلام في وادي و حركة الشفاه في وادي آخر ..
لم أتحمل البقاء هناك أكثر .. خفت أن أجن .. فغادرتهم غير آسفة ..

و أخيرا حططت الرحال في دبي .. هذه المدينة التي تنبض بالتطور و ترشف الحضارة من قدح ماضيها العريق .. مدينة لا تهدأ ولا تستكين .. و أكاد أجزم بأنها أبدا لا تنام .. أحبها قدر عرسها اليوم .
اقتحمت تلك الحشود المتناثرة قرب برج خليفة لأقتنص معهم فرصة عابرة و استمتع بوهج الألعاب النارية و احتفال النافورة الراقصة  طربا مع أنغام معزوفاتها الساحرة .
وقفت هناك أرقب ساعة الصفر .. و ما أن ولد العام الجديد حتى اشتعلت سماء الليل قناديل من ضياء .. لمحتُ السعادة على محيّا الجميع  و الأفراح تزغرد مع مباركتهم لبعضهم بالعام الجديد .. و تذكرت حينها ( طراطيع الثوم ) .. ولمن لا يعرفها هي مفرقعات بيضاء صغيرة جدا تشبه إلى حد كبير نبتة الثوم .. ما أن تُقذف على الأرض حتى تُصدر صوت فرقعة خجول .. كنا في طفولتنا نسعد بها و نهاب صوتها .. تُرى ما حجم ذبذباتها مقارنة بزمهرير الألعاب النارية هنا هذه الليلة ؟؟ .. بل ما هو حجم المفرقعات في مهرجاناتنا المتواضعة كشاكلة ( جدة غير ) قبل أن تصبح ( جدة غير قت ) .. ؟؟ ..

هم هناك يسعدون و يفرحون وأنا في مكاني لم أبرح جدران غرفتي ..
ملل .. ملل .. ملل ..
أغلقت التلفاز و تجرعت ما تبقى من قهوتي الباردة على مضض .. و قفلت عائدة إلى قواعد مكتبي لأحيك شبكتي العنكبوتية و أبحر في عالم النت .. هذا العالم الذي أشاهد فيه ما يحلو لي و أختاره أنا  ..
و ليس ما تفرضه علينا التلفزة ..






الجمعة، 10 يونيو 2011

متى سأكبر ؟؟ - قصة قصيرة ( الحلقة العاشرة )




* ماما زمانها جاية


امتلأ بيتي بالصخب والضجيج .. البالونات بعضها معلق على السقف وعلى الجدران والآخر ملقى على الأرض .. وبعض البقايا تناثرت في الأرجاء .. ضحكات وصراخ الأطفال وأصواتهم تداخلت مع أصوات الأغاني التي انتشر صداها في أرجاء البيت .. حديقتي الخارجية مليئة بالأطفال وألعابهم .. ضجيج في كل حدب وصوب ..
عند الثامنة مساءا .. أُطفئت كل الأنوار .. وعلى صوت الأغنية .. "هابي بيرث داي تو يو" .. وضوء لهب الشمعات يتراقص بفرح ليشارك ابنتي فرحتها ..

وكأنها بالأمس فقط أشرقت أنوارها في حياتي .
أذكر يوم أخبرتني الطبيبة بنبأ حملي .. لم تسعني الدنيا فرحا بها .. كم انتظرت ذلك اليوم ..
أول نبض في أحشائي .. واستدارة بطني .. وكِبر حجمها يوما بعد يوم .. فترة الوحم .. وإرهاق التسعة أشهر وثقل جسمي وزيادة وزني .. واختلاف طفيف في ملامحي .. كل ذلك وغيره .. دفعته ضريبة لأحلى فرحة في حياتي ..
وجاءت إلى الدنيا ..
أول لمسة .. أول نظرة .. أول صرخة بكاء .. أول احتضان .. أول ضحكة .. أول بسمة .. أول زحف وحبو .. أول خطوة .. أول سن .. أول كلمة نطقتها .. أول يوم في المدرسة .. أول درس .. أول عقاب .. أول هدية .. أول واجب مدرسي .. أول تكاسل .. هي أول قصة وحكاية ..
كل هذا مر كعبق زهر في ذاكرتي وهي تنحني لتطفئ شمعتها الثامنة .

أنجبت بعدها اثنين.. في سنين متقاربة .. توقعت بأن هذا سيكون أفضل لهم .. حتى يكبروا معا .. وكي يتقلص جهدي في التربية .. ولكن اكتشفت بأن التعب والجهد صارا مضاعفين ثلاث مرات .. كل شيء تضاعف .. حتى الحب والخوف والترقب والقلق والمسؤولية . توقعت أن أتعلم معها أساليب التربية والتقويم، على اعتبارها الأولى فستكون هي الأساس ومعها سأبني مفاهيم الأمومة وأعرف معناها .
ولكن .. و مع كل طفل يأتي أبدأ مشواري من جديد .. وأتعلم من جديد .. وأصير أما من جديد .

لا أنكر بأن حياتي تغيرت كليا منذ ولادتها وولادة بقية إخوتها .. انتقلت من دنيا إلى أخرى أكثر جمالا وسحرا .. تغيرت نظرتي إلى الحياة، صرت أراها بمنظارهم .. وأوافق وقتي مع أوقاتهم .. تغيرت شخصيتي واهتماماتي وأولوياتي ..
نمط أيامي كله تغير .
حتى والدهم .. أصبح كاهل المسؤولية على عاتقه أكبر .. وصار يسبق حاجاتهم على حاجته .. ورغباتهم على رغبته .. والسعي على تحقيق أحلامهم قبل حلمه .. لم لا !!.. وأبناءنا هم الحلم ذاته .. هم الأمل .. هم المستقبل الذي نبنيه ونسعى للوصول إليه وتحقيقه بكل ما نملك من إحساس وحب و عاطفة نستشعرها نحوهم ..
" ما أجمل الوقوع في حب طفل .. والأجمل عندما يكون هذا الطفل ابنك .. دمك و روحك .. قطعة منك خُلقت منك .. عزف قلبك من نبضاته " .
قبل زواجي عندما أجتمع مع صديقاتي الأمهات كنت أرسم لهم ملامح من أمومتي المستقبلية .. فأقول لهم : " أتمنى لو أنجب أطفالا توائم .. اثنان أو أربعة توائم دفعة واحدة " . ولا أتلقى منهم سوى جملة واحدة : " أنتِ مجنونة .. ليس سهلا أن تنجبي طفلا واحدا .. كيف بكِ تطمحين لتوائم ؟؟ .. غدا ستتزوجين و سنرى " .
الآن تزوجت و أنجبت ولحقت بالرَكب .. وصرت أردد ما كن يرددن.
" ليحفظ الله لي أبنائي من كل شر .. هم قطعة مني و إن لم يولدوا توائما " .
اسمحوا لي أيها الأعزاء بأن أقص عليكم أحداثا أشبه ما تكون بفيلم ملحمي ضخم .. مليء بالإثارة والتشويق.. من إخراجي و إنتاجي والبطولة المطلقة لصغاري.. و زوجي فيه ضيف شرف.
يبدأ نهاري عادة بمناورات عسكرية مع الأبطال الصغار، كالجندي في أرض المعركة .. أركض من حجرة إلى أخرى لأوقظهم من نومهم ثم أقوم بتحضير إفطارهم و إطعامهم.. وبعدها مساعدتهم في ارتداء ملابسهم و تجهيزهم للمدرسة .
غلبة وجلبة و فوضى .. بكاء و عناد و شروط لا أول لها ولا آخر يفرضها علي الصغار عند اختيار الطعام الذي سيرافقهم إلى المدرسة . أحيانا يخضعون لي طائعين .. و كثيرا ما كنت أنا الخاضعة .. " قلب الأم أيها البشر " .
كثيرا ما يساعدني زوجي في هذه المهام .. وبعض الأحيان تساعدني الخادمة لسبب بسيط .. فهو ما يزال نائما.

بعد ذهابهم إلى المدرسة و مغادرة زوجي إلى مقر عمله .. يبدأ يومي ..
نسيت أن أخبركم بأن أسرتي الصغيرة تنتظر ضيفا سيحل عليها مطلع الشهر المقبل .. " نعم .. أنا حامل " .. ولذا انا اليوم اقضي إجازتي الاضطرارية من العمل في جنتي .. بيتي ..
عادة ما أقضي نهاري مع بعض الصديقات ربات البيوت .. و أغلب أيامي أبقى في بيتي .. أهتم بشؤونه و أضع عليه لمساتي النهائية بعد أن تنتهي الخادمة من تنظيفه .
" ست بيت درجة أولى " .. بشهادة زوجي.

ذات ضحى .. بينما كنت منهمكة في القراءة رن جرس الباب، كانت صديقتي جاءتني زائرة أو (هاربة ) لوصف أكثر دقة.
تحادثنا سويا لبعض الوقت ثم راحت تبكي قهرا، أقلقتني بل أخافتني حد البكاء معها .. لبعض الوقت ثم أفاضت لي عما يعتصر قلبها ألما .. " زوجي تزوج علي " .. وانهارت تماما .
لم أتفاجأ ولم أستغرب أبدا زواجه بأخرى غيرها ليس لعيب فيه أو أنه كبعض الرجال الذين لا تكفيهم امرأة واحدة .. بل كانت هي السبب .
كثيرا ما كانت تحدثني عن خلافاتها معه و رغبتها بالانفصال عنه و عندما أسألها عن الداعي لهذا الانفصال المدمر تقول : " مللت منه " .
" مللت منه ؟؟ .. وا عجبي !! .. هل كل حالة ملل تصيب أي علاقة زوجية لابد حينها من انفصال الزوجين ؟؟ ..يا للسخرية " .
ببساطة .. كانت تجسد وبجدارة شخصية الزوجة المهملة لزوجها .. هذا الإهمال الذي ينبذه الرجل ويحسبه إذلالا لشخصه و إلغاءا لوجوده . فعند حضوره تحلق هي في فضاء آخر بعيدا عنه ، وتنغمس في شؤونها الخاصة و أحاديثها مع الصديقات أو السكن خلف ظلال مرآتها .
كنت دائما أنهيها عن ما ترتكبه من أخطاء في حق زوجها وبيتها .. وأحكي لها قصصا من بعض قراءاتي و ما أراه في المجتمع من حولي ، خصوصا وأن زوجها رجل عاقل و يُشهد له برحابة الصدر وسعة الخُلق .. و ليس ممن يرغبون في التعدد أو حتى مغازلة النساء .
" لا أكثر من الإهمال سببا سيدفع زوجك يوما للاقتران بأخرى " .. قلت لها يوما و ما سمعتني .. حتى وقع الفأس في الرأس .. و صار ما صار .

ما حدث معها أعادني بالذاكرة إلى اليوم الذي طلبت فيه من زوجي أن يستقدم لنا عاملة منزلية لتساعدني في أعمال البيت ..
همس لي حينها وبكل حنان : " سألبي طلبك .. فكل طلباتك أوامر .. ولكن عديني لو شعرت يوما بالعطش و اشتقت لرشفة ماء فلن يناولني إياها سواكِ " .. ابتسمت له مدركة حاجته.
تأكدت يومها بأن أي امرأة بإمكانها أن تكون ملكة في بيت زوجها و أن تعيش برفاهية كاملة .. يدللها ويلبي لها مطالبها كسيدة في قصر من ذهب .. و عندما يتعلق الأمر بشؤونه الخاصة يحب أن تكون هي فقط الحاضرة دوما.. وليس الخادمة .
" العاملة ستكون لخدمتي و مساعدتي أنا .. و أنا وحدي سأعتني بعائلتي .. فمن يحبها مثلي ؟؟ " .
قولا كثيرا ما سمعت أمي تردده و جدتي سبقتها إلى هذه القناعة .. و اليوم صار يقينا.

قد تتساءلون فيما إذا كان زوجي ملاكا أو شخصا كاملا .. لا يا أعزائي، لا هو بالمثالي ولم أكن يوما أنا أيضا كاملة .. لذلك لن أصف حياتنا بالمثالية ولا حتى يُضرب بها المثل .. فلكلينا عيوب و سلبيات كما هو الجانب الإيجابي و الحَسن يصفنا ويسكننا .
في البداية و في أول سنة لنا معا واجهتنا الكثير من الصعوبات كأي زوجين يبتدئان سويا مشوار حياتهما.
هذا طبيعي جدا .. فكلانا جاء من بيئة مغايرة عن الآخر .. إلى جانب أني امرأة و هو رجل .. و لكم أن تتخيلوا خلافاتنا و اختلافاتنا النفسية والفكرية ( البسيطة ) .. و أقول بسيطة لأننا استطعنا أن نجيرها لصالحنا . فلو كانت عميقة و كبيرة لما كنا حتى اليوم نتشارك هذه الحياة.
مررنا بالكثير من المشاكل العابرة والتي تضحكنا في بعض الأحيان .. فمثلا .. أنا أميل إلى الاستيقاظ متأخرا أما هو فأعتبره رجلا منظما و دقيقا جدا و كثيرا ما أمازحه بقولي :" نظامك بريطاني " ليرد ويقول :" نظامك بلا نظام " .
" خفيف الظل هو زوجي .. أليس كذلك ؟؟ " .

كنت كثيرا ما أراه سارحا و كأنه في دنيا أخرى غير دنيانا .. و ما كان يقتلني حقا هو هذا الصمت المريب الذي يطغى على حاله ليجرني معه نحو هاوية القلق .
ذات يوم كنت أقرأ كتابا يناقش العلاقة بين الرجل والمرأة . واستوقفتني إحدى الحقائق التي تشير إلى أن الرجل عندما تواجهه معضلة ما أو مشكلة في العمل أو أيا كان .. فإنه ينغلق على ذاته و يبقى في معزل عن الجميع .. حتى زوجته.
إنها طبيعته كرجل بخلاف المرأة التي تتحدث عن مشاكلها و تبوح بما تشعر به .. حتى و إن لم يملك الحل لمشكلتها.
" زوجي يبقى و حيدا حتى تنجلي الغمامة .. و أنا أحتاج إلى الإنصات في حد ذاته .. حقيقة استطعنا استيعابها .. و احترامها و ممارستها .. فاستقر بنا مركب الحياة على شاطئ الأمان " .

حقيقة أخرى لابد وأن أخبركم بها .
" حديث الوسادة " .. نعم يا أعزائي .. كما قرأتم تماما.
هذا الحديث الهامس بين أي زوجين وممارسته قبل النوم .. عندما يكون الذهن صافيا و الجسد مستلقيا بكل سكينة و الروح هادئة و مطمئنة .. سيكون للحديث أبلغ الأثر و للحكايات طعم آخر.
نبقى نتسامر ونتحدث عن أي شيء و كل شيء .. بلا حواجز ولا حدود . يحيطنا الهدوء الذي يغدو كمنفضة ننفض به ضغوط النهار و شوائبه .. فنغفو في سلام وتصالح مع النفس و كأن روحا جديدة تنتظر أن تولد مع شمس غدنا القادم .

لا توجد سعادة كاملة ، فدائما أراها كالحزن هما وجهان لعملة واحدة .. بالمشاركة سيموت الحزن و بالقسمة تزهر السعادة.حتى نمضي في حياتنا بإيجابية لابد وأن نكون محاطين دوما بالأشخاص المتفائلين كي يعم الفرح و يؤثر فينا ويغلف محيط دائرتنا .. على العكس منه التشاؤم والسلبية ، فما أتعس الفرد منا حين يتشارك الحياة مع شخص سلبي لا يرى منها سوى اللون الأسود القاتم .. والنصف الفارغ من الكوب.
" التفاؤل كقطعة شوكولاته نُهديها لمن نحب .. فنطعمها بشكل ألذ "..
مقتنعة وبشدة بأن إحساسي بالسعادة سينعكس على ملامحي وسيلحظها زوجي في قسماتي و سلوكي معه .. مما سيولد ذلك شعوره هو أيضا بها ..

" لا .. ليس خيالا و لا شعرا ولا رومانسيات فائضة .. بل هو حقيقة واقعة نعيشها كل يوم .. فالاستقرار النفسي نصنعه نحن و لا ننتظر من يصنعه لنا " .

سرقني الحديث عن الزواج و الأزواج ولم أكمل لكم مغامراتي مع أطفالي الأشقياء .
ما أن ينتصف النهار حتى أشتاق لضجيجهم و مشاكساتهم وأبقى أطارد عقارب الساعة حتى تحين عودتهم .. وما أن يُفتح باب البيت و تطل علي وجوههم البريئة حتى يستقبلهم حضني و أحيطهم بحناني كالسحابة في السماء تحضن ضوء القمر..
" أقماري الصغار.. كم أحبكم " .
أقضي معهم ساعات النهار بين استذكار للدروس و مشاهدة التلفاز و الكثير من فترات اللعب .
أحب كثيرا أن أشاطرهم المرح لتستيقظ طفولتي النائمة من سباتها الطويل وتزهر شقاوة و دلال .
كثيرا ما يباغتنا زوجي أثناء انسجامنا في اللعب .. فإما أن يشاركنا هو أو يتخذ مجلسا في زاوية الغرفة ويبقى هناك يراقبنا عن كثب .. فيبتسم حتى تشرق نواجذه و يصيح بأعلى صوته ضاحكا : " ما عدت أفرق بين الأم وبين صغارها .. جميعكم أطفال ".
" ما أجمل أن أعود طفلة في عمر أبنائي لأعود إلى زمن البراءة بدلا أن يسبقوا السنوات ليكبروا وهم ما يزالوا صغارا .. لابد و أن يعيشوا طفولتهم بكل ما فيها " .
هذه قناعتي .. و سأبذل كل ما في وسعي لأفسح لهم المجال كي يعيشوا كل مرحلة في حياتهم كما هي .. لا أن أسابق الزمن .. فيخسروا طفولتهم و يُحرموا منها.

كثيرا ما أقارن بين ما كانت عليه طفولتي و كيف هي طفولة ابنتي اليوم.. كيف كنت وكيف هي الآن .
تفوقني جرأة وتفرض رأيها بكل إصرار واعتزاز.. في عمرها كنت أكثر خجلا وأكثر هدوءا و صمتا . هل هو اختلاف شخصياتنا .. أو هو اختلاف الزمن ؟؟.
ومعاركي التي لا تهدأ ولا تستكين مع أخي .. كأنها عادت وتجددت مرة أخرى .. معها وإخوتها .. كيف وفي لمح البصر تنقلب أجواء البيت من الهدوء إلى الضجيج والبكاء والعراك والخصومات العنيفة في بعض الأحيان .. ولكنها لا تطول .. فهؤلاء الأطفال لديهم القدرة على المصالحة والعفو عن بعضهم البعض وفي زمن قياسي .. تعود المياه إلى مجاريها ويعود الصفو والهدوء .. وفي غمضة عين تطغى البراءة على كل شيء .

قبل خلودي إلى النوم قمت أرتب بعض الحاجيات بعد نوم جميع أهل البيت وانتهاء الحفلة وعودة الأطفال إلى منازلهم . نعم صحيح .. كنت قد سرحت بأفكاري وعدت معكم بالحديث إلى الماضي القريب مما أنساني حفلة ابنتي الغالية وضجيج صَحبها و شقاوتهم.

في ظلمة المكان تعثرت بدمية ابنتي فالتقطتها عن الأرض .. مشيت قليلا فوجدته هناك .. بيتها من المكعبات .. يسكن مكانه القصي في إحدى زوايا الحجرة الفسيحة .. ساكنا كحلم و راسخا مثل أمل.. مثل ذكرى أبت إلا أن تزورني اليوم.
ماضيي البعيد عاد ليحتفل معي .. عاد فأحيى آمالي القديمة و أيقظ البراءة داخلي .
غافلتني دمعة حنين وفرت من عيني بلا موعد ولا استئذان.

جلست على حافة الدرج أحضن دميتها الغضة وعيناي تسكنان ذلك الحلم الصغير .
كنت يوما ما في ذلك الزمن البعيد ألعب بدمية مثلها .. وأصنع بيتا من مكعبات ملونة .. واليوم مرت سنوات عمري وكبرت، وسكنت بيتا حقيقيا و أصبحت أما لصغار من دمّي .. عوضا عن دمية.
تجدد حنيني إلى ذلك الماضي النقي الصافي.. اشتقت إلى طفلة بضفائر سود مبعثرة تركض حاملة دميتها .. تلاعبها و تحاكيها و تعيش معها سحر أمومة لم أشعر بها سوى الآن.
قالت لي جدتي يوما :" الأمومة غريزة يخلقها الله داخل كل أنثى .. تكون ساكنه وهادئة وبلا حراك .. لا يحركها إلا نبض الطفل داخل أحشائك . عند ولادته وكأن طوفانا من المشاعر والحنان يتدفق ويتدفق بلا أدنى سيطرة على جريانه .. و لا تعرفين منبعه . جل ما تعرفينه حينها .. هو أن هذا الصغير الذي بين يديك تضمينه وتناغيه .. هو حياتك .. هو الفرح والسعادة .. ومن كل الدنيا لن يحتاج سواك . سيكون هو نقطة ضعفك الوحيدة .. هو فقط .. ومن أجله تهون الدنيا وترخص بكل ما فيها " .
رحمك الله يا جدتي .. لن تعوّضي .

أطفأت أنوار البيت .. وأغلقت النوافذ والأبواب ..
اطمأننت على صغاري وهم نيام .. وطبعت على جبين كل منهم قبلة ..
مضيتُ إلى غرفتي بخطى متثاقلة ..واستلقيت على فراشي ..
أغمضت عينيّ بوهن .. أحضن بين رموشها صورة باهتة المعالم لطفلة صغيرة كانت يوما .. أنا..



*********************


يُتبع ..


* حقوق الأغنية محفوظة للفنان الراحل محمد فوزي

السبت، 4 يونيو 2011

متى سأكبر ؟؟ - قصة قصيرة ( الحلقة التاسعة )






يا دبلــة الخطوبــة


عروس تختال .. بقامة ممشوقة وجمال أخاذ .. باقة أزهار في اليد اليسار قد يحتار رائيها أيهما الأجمل .. هي أم حاملتها .. والكف اليمنى تحتضن كفا تطابقت بالحس والدفء والتقاسيم معها .. طرحة شفافة انسدلت تكاد تخفي خلفها ملامح سعيدة .. عينان تلمعان وفم مبتسم ونظرة حالمة ..

لحظة تساوت فيها خطواتي مع خطوات شريك حياتي.. ومن اختاره عقلي وقلبي لأتقاسم معه مستقبلا قادما بحلاوته وبكل ما فيه .. سرت معه نحو المنصة .
كنت شبه مغيبة عن كل من حولي .. أكاد لا أميز شيئا من ما يحيط بي .. لا الموسيقى ولا الضيوف ولا الوجوه ولا حتى أين أنا ..
كان عقلي مشتتا وغائبا .. كنت كمن شُل تفكيره وتوقف تماما ..  " يا الله .. أنا عروس ؟؟ " ..
أجل عروس ..

بالأمس القريب أنهيت دراستي الجامعية .. كانت من أجمل مراحل عمري الفائت .. عندما نمى إدراكي وصُقِلت شخصيتي وأصبحت لي أهدافي وطموحاتي في هذه الحياة ..
اتسعت دائرة صديقاتي وتطورت شخصيتي وتحولت من مجرد صبية طفلة الجسد وضيقة الأفق .. لفتاة شابة وناضجة ذات فكر متسع ونظرة عميقة لمعظم الأمور .. 
هدأت كثيرا عما كنت عليه سابقا وأنا طفلة ومراهقة .. أصبحت أكثر اتزانا  وأكثر معرفة .. ولكن  لا زلت أعاني من بعض الخجل والحساسية المفرطة في مشاعري .. حاولت كثيرا أن لا  تسيطر علي أو تتمكن من شخصي .. وعبثا حاولت .. أحيانا أفكر بأنها خلقت معي ونمت معي وكبرت معي وتأصلت جذورها داخل روحي وتشعبت و تشعبت حتى أصبحت أنا أخرى داخلي .. تتعبني كثيرا .. وترهق من حولي أيضا عند تعاملهم معي ..

ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي خُطبت فيه ..
كم بكيت خائفة ولم أعرف لماذا وما الداعي لكل ذلك البكاء وقتها .. صديقاتي أعزين السبب للمفاجأة أو خوفا من المجهول .. أو أن كلمة زواج وحدها كفيلة ببث الرعب في نفس أي فتاة ؟؟ .. لا أعرف.
كنت كثيرا ما أستمع لأحاديث بعض المتزوجات منهن وخلافاتهن مع أزواجهن .. و فشل بعضهن في تجربتهن الزوجية. كان يتملكني القلق والخوف من هذه التجربة الغامضة و الحياة الجديدة التي ستقبل عليها أي فتاة كُتب لها الزواج يوما .

لم يكن هاجسا بالنسبة لي .. كنت دائما ما أعتبره قرارا اختياريا وليس مصيريا ، على الرغم من كثرة الأقاويل  حولي بأن الفتاة مصيرها بيت زوجها لا محالة . فكنت أعترض بشدة و أدافع عن رأيي بحزم و صرامة ترى فيها صديقاتي عنادا أتصف به.
لم يكن عنادا مثل ما هو قناعة راسخة في داخلي بأن كل شيء كتبه الله لنا كائن لا محالة.

ترددت كثيرا بشأن الموافقة .. بت أقضي الكثير من الوقت أجلس على أرجوحتي أفكر .. و أتأرجح معها بين القبول والرفض .
حتى أتى ذلك المساء الذي كنت فيه مستلقية على فراشي و مشاعري المختلطة تتضارب وتتصارع داخلي .. كنت أجهل كيف أفكر وماذا أقرر .. عندما قرع باب غرفتي .
جاءت إلي تحضنني وتُريح رأسي على صدرها فأشتم رائحة الدفء والعطر لتشعرني بالأمان كعادتها دائما .
جدتي .. رغم شيخوخة جسدها و تيه فكرها بعض الأحيان .. لكن ما يزال قلبها يحمل الدفء وعبق الحب والحنان ذاته اللذين طالما أشعرتني به طيلة حياتي .. تجيء دائما عندما أكون في أمس الحاجة لمن يرشدني لطريق أسلكه ومصير أقرره .. تأتي لتنتشلني من حافة يأسي وضياعي .. وفي حضنها الدافئ أنسى كل شيء .. ويهون كل شيء .. وينجلي كل شيء ..
قالت لي يومها .. " حبيبتي .. مررت بما تشعرين ومرت والدتك به من قبلك .. هو شخص رائع وذي مواصفات تتمناها كل فتاة .. استخيري الله .. وأيا كان قرارك نحن معك ونحبك  .. " ..
 وطبعت قبلتها الحانية على جبيني .. وبكفها الدافئ مسحت دمعتي التي انسكبت على خدي .. وخرجت ..

في صباح اليوم التالي .. كنت قد قررت ..


كان نهارا مليئا بالأحداث والارتباكات ذلك اليوم الذي زارنا فيه خطيبي لأول مرة.
صحوت من نومي على جرس منبهي المزعج .. كبست زر الإيقاف لأسكته.. ثم زرعت وجهي في الوسادة لأعود إلى النوم.. و فجأة.. و كأن السماء انشقت وألقت بمائها البارد فوق رأسي .. و كأن الغيم رمى بسهام برقه نحوي .. و كأن الرعد اختزل كل غضبه فألقاه على سمعي .. قفزت عن سريري كصعقة كهرباء قذفت بي صوب النافذة .
كانت تمطر..
" لا .. لم تكن المرة الأولى التي أشاهد فيها السماء تمطر .. على العكس .. فقد كنت أنتظر الشتاء من عام إلى آخر فقط كي أستمتع بمطر السماء .. ولكن اليوم بدا كل شيء مختلفا.. و كأني أعيشه للمرة الأولى ".
نظرت إلى وجهي في المرآة وهالني المنظر ..
" من أين جاءت هذه الهالة حول عيني ؟؟ .. وما هذا الشعر الجاف .. و ما هذا الوجه الشاحب ؟؟.. يا إلهي .. لا .. ليس اليوم ".
نعم .. هكذا استقبلني الصباح .. أو هكذا استقبلت أنا الصباح .

حالة استنفار عاشها جميع من في البيت ..
قضيت طيلة النهار و أنا أعاني من التشتت الذهني والضياع الزمني ..
بين المرآة و خزانة الملابس و بعثرة الزينة و تصفيف الشعر و أقنعة البشرة .. كنت كالفرس التي تعدو من سهل إلى سهل .. كان كل شيء يسير على خير ما يرام حتى استقبلت تلك المكالمة من صديقتي .. وليتني لم أجب هاتفها .. فبعدها لم يعد أي شيء سهلا كما كان ..

قائمة من النصائح و كم هائل من الإرشادات أثقلت مسامعي بها .. وكأنها تملي علي محاضرة عن أصول الإتيكيت واللباقة الاجتماعية .. و ما أثار حنقي فعلا كانت التوصيات الغريبة عن كيفية التبسم والحديث و التحرك و المشي و حتى كيف أتنفس.. و جميعها تنصَب في قائمة ( الانطباع الأول ) ..
أثارت استيائي فعلا .. فأنا دائما ما كنت عفوية بلا تمثيل ولا حركات مدروسة ..
أبتسم لأني أشعر بحاجتي للابتسام .. و أغضب لأني في حاجة إلى الغضب .. و أتكلم متى أحسست بأني لابد وأن أتكلم .
لم أكن يوما رهينة للتصنع و التكلف أو التقنع وارتداء الزيف.
" كوني كما أنتِ .. فليحبك من يشاء وليكرهك من يشاء " .. شعاري في الحياة .

مرت الساعات على عجل .. حتى حانت لحظة اللقاء ..
بخطوات خجولة و بلعثمة طفلة في أول بوح لها .. مددت يدي لتصافح يده .. ابتسمت وابتسم .. تشابكت الأصابع .. نبض القلب .. و وقع الحب.
كانت ثواني معدودة وهتف قلبي بكل غبطة .. " نعم .. هو من أريد ".
تحدثنا سويا حديثا عابرا .. عبرت معه أزمانا وأزمانا .. وكأن لقاءنا كان منذ أزل بعيد .
كثيرا ما كنت أقرأ عن تعارف الأرواح و تآلفها حين اللقاء حتى أن بعضا من صديقاتي لم يأخذن يوما حديثي على محمل الجد .. بل كن يسخرن من شاعريتي و رومانسيتي الطافحة ..
" أنا فقط أنظر إليه بمنظور روحاني .. فكل شيء يتعلق بالمشاعر و العواطف هو مسألة روحية لا أكثر ولا أقل " .

تريدون الصراحة ؟؟ .. في تلك الليلة لم أنم جيدا ..
قضيت الليل أتقلب على سريري أفكر في ما سيحمله لي المستقبل تارة، و في ما أتخيله تارة أخرى .
اليوم سأواجه واقع هذه الحياة ومعنى المشاركة الزوجية .. بعد سنوات من الإنفراد بكل شيء يخصني .. ما من مشاركة من أي شخص ولا حتى منازعة فيما أملك . أما الآن فقد حَلّ على حياتي نصفا آخر .. إما أن يصبح جزءا من ذاتي أو سيبقى دائما مجرد اسم كما دخل .. سيبقى .
بقيت أنفض عن تفكيري هذه الوساوس والهواجس السلبية لأطمئن نفسي بأن الله قد اختار لي هذا الإنسان وسنوفق حتما طالما وُجد الانسجام و خُلق في أول لقاء لنا معا .. هذا القبول الذي طرحه الله في قلبينا ما هو إلا إشارة إيجابية عن مدى التوافق الذي سيكتمل بيننا .
" غدا .. غدا .. غدا .. متى ستأتي أيها الغد كي أرتاح ويهدأ بالي ؟؟ .. متى ستمضي السنوات لأعرف هل من اخترته زوجا وشريكا سيبقى معي لبقية العمر ؟؟ .. تعال يا بُكرة اشتقت إليك .. " ..
و انبلج نور أول صباح من صباحات الغد ..



*********************
مرت الستة أشهر الماضية كلمح البصر ..
مشاعري نحو خطيبي و محبتنا وعلاقتنا التي ازدادت أواصرها هونت علي الكثير من صعوبات تلك المرحلة التي مررت بها .. و حال بيتنا انقلبت رأسا على عقب .. للأجمل والأحلى والأفضل .
قضيت مجمل تلك الأيام في التجهيز لحفل زفافي والبحث عن القاعة المناسبة لإقامة الاحتفال .
كنت أقضي ساعات النهار في التسوق مع صديقاتي و غالبا مع والدتي و ترافقنا عمتي الغالية. كان لوجودها إلى جانبي في تلك الفترة الحرجة لذة خاصة .. و بالنسبة لي كانت مثالا حيا أستقي منه خبرات جديدة و أتعلم من خلالها كيفية استغلال الوقت و تجييره إلى صالحي .. حتى لا تنقضي الأيام عجلى دون أن أقضي جميع مستلزماتي .

تزوجت عمتي قبل عشر سنوات .. كنت أرافقها للتسوق و قضاء الكثير من حاجياتها .. فكانت دائما تردد على مسامعي عبارة " وجهك خيرا علي " .. ولم أكن أعرف السبب .. ثم لا حقا أخبرتني بأني عندما أكون برفقتها تسير أمورها بيسر و سهولة .. و تماما كما تريد هي.
" تفاءلت بي .. و اليوم أتفاءل بها " .
افتقدتها كثيرا .. غادرت البيت تاركة خلفها حاجياتها و ذكرياتي معها .. غادرت جدران حجرتها التي مافتئت تئن من اشتياقها لها كما يئن قلبي بعد غيابها .. و كما غادَرَت سأغادر أنا .. قريبا .

جاءني يوما أخي .. من كان وحشا بشريا في يوم من الأيام .. وقد أخفى خلف ظهره شيئا ما .. طبع على خدي قبلة .. وأعطاني هدية .. قال لي افتحيها عندما أخرج .. وقبل أن يغلق باب الغرفة استدار نحوي وقال : " في بيتنا عروس " وغمز بعينه لي وابتسم .. وأقفل الباب وراح ..
فتحت الهدية .. سلسال جميل ورائع محفور عليه اسمي ومرصع بالألماس .. أتعرفون بم كانت مغلفة ؟؟ بذلك القماش الأسود الذي كان يلفه حول عينيه مقلدا سلاحف النينجا .. قبل سنوات من الآن .. عندما كنا صغارا نتعارك بالأيدي .. فرق بين اليوم والأمس .. اليوم صار أخي و صديقي وسندا لي في هذه الحياة.
ارتديت السلسال.. وقفت أمام مرآتي أتأمله .. عندما انهمرت دمعاتي من عيناي ولمعت على خداي .. لمعة الألماس على  نحري .. وبكيت .

آخر ليلة أنام فيها على فراشي .. كل شيء في غرفتي مبعثر .. حقائبي وملابسي و أشيائي .. كل شيء .
تمددت على فراشي وأخذت أتأمل جدران غرفتي .. هذه الجدران التي احتوتني واحتضنت أيامي وأخفت أسراري وراقبتني في دخولي و خروجي .
 صوري .. خزانتي .. أوراقي .. أقلامي .. حاسوبي الشخصي .. طفولتي .. نضجي .. صباحي ومسائي .. مرضي و صحتي .. بكائي وفرحي .. عمرا بأكمله ..
 سأترك كل هذا وأرحل عن هنا لأبدأ حياة أخرى ومستقبلا آخر ومرحلة أخرى مع نصفي الآخر.. أتمنى أن أكون معه سعيدة.

وصلنا إلى المنصة .. وخزه خفيفة أحسستها بكفي .. عندما نبهني شريكي كي نقف .. استفقت من أفكاري على ابتسامته الرقيقة ونظراته المليئة بالحب .. واقفا بجانبي .. تحتضنني عينيه وروحه .. شعرت حينها بأن كل الدنيا ملكي .. أنا وحدي ..

أبي وأمي و أخي ، جدتي وعمتي .. جميعهم إلى جانبي .. ألمح في أعينهم دموع الفرح .. وعلى شفاهم بارقة السعادة  وأنا أحضنهم بكل الحب .. عندما سطع ضوء الفلاش ... 

والتقط قلبي صورة.



*****************************************

يُتبع ..

* حقوق الأغنية محفوظة للفنانة شادية

الجمعة، 27 مايو 2011

متى سأكبر ؟؟ - قصة قصيرة ( الحلقة الثامنة )



" آوه .. ها قد عدتم .. لا أرجوكم لا رغبة عندي الآن بأي شيء  .. صدقوني لا أحب الحديث عن نفسي في هذه المرحلة و هذا الوقت بالذات .. فأنا مشغولة الآن بوضع قناع مغذي على بشرة وجهي .
حسنا .. لا بأس ..كما تريدون .. سأحكي لكم بعضا من ملامح حياتي بشكل مختصر.. لاحقا ستعرفون لماذا. فقط أمهلوني بعض الوقت .. سأذهب لأغسل وجهي و أزيل هذا القناع .. فلم يعد له أي فائدة ..
فاصل .. ونواصل ".




نقيلي أحلى زهرة يا فراشة نقيلي*




...عدنا ..

سأحدثكم و أنا أقوم بترتيب ثيابي في الخزانة قبل أن أنام. عادتي كل مساء .. نتسلى سويا لبعض الوقت أنا وأنتم .. ما رأيكم ؟؟ .
أتعلمون ؟؟ .. بعض ثيابي باتت ضيقة عليّ ولا بد لي من التخلص منها فلم تعد مناسبة ..لقد كبرت كثيرا..طالت قامتي وأصبحت أكثر أنوثة . و الحقيقة فإن أكثر ما يزعجني في شكلي هو تناثر البثور على وجهي .. وليس هذا فقط بل صار أنفي أكثر تورما .بصراحة أرى نفسي قبيحة للغاية .. حتى أقنعة البشرة ليس باستطاعتها أن تخفف من حدة البثور هذه.
الجميع يقول بأني أصبحت أكثر حساسية وسريعة التأثر وأميل إلى الوحدة .. ليس صحيحا البتة .. فكل ما هنالك هو أني أحب الهدوء و زادت نسبة خجلي قليلا .
لي عالمي الخاص .. غرفتي، قصصي، كتبي، صديقاتي .. أفكاري و أحلامي .. عالمي الآخر بكل ما فيه.

حديقة منزلنا أجد فيها ملاذي وتوحدي مع الطبيعة بين الأزهار و التمدد تحت ظل الأشجار لأراقب السماء و ندف الغيوم.
أبقى هناك أتأملها و هي تتشكل بأشكال مختلفة .. تارة تبدو كوجه باسم .. و تارة تبدو كرسم فراشة .. و كثيرا ما تغدو كنجمة في وضح النهار.
أعشق مداعبة النسيم لأغصان الشجر، فتتحرك وريقاتها لتنهمر على الأرض كشلال نهر.
" شاعرة أنا .. صحيح ؟؟ .. من يعرف .. قد يحدث يوما ما !! ".

أحب البقاء في غرفتي والتمرن على وضع المكياج .. فأمي وفت بوعدها الذي وعدتني عندما كنت طفلة .. واشترت لي أدوات الزينة التي لطالما حلمت بها .. حقيقة لا أضع الكثير من الأصباغ على وجهي لإحساسي بأني مهما فعلت لن أتمكن من إخفاء هذه البثور أو أخفف من تورم أنفي ..
بالأمس قالت لي جدتي بأن الفتاة لها سبعة أوجه .. وفي كل مرحلة عمرية تتغير ملامحها كالزهرة تماما .. تكون برعما صغيرا بلا رائحة .. ثم تنمو شيئا فشيئا حتى تتفتح وتصبح جميلة وزكية الرائحة .. آآآه كم تمنيت أن أنمو سريعا كالزهرة لتختفي البثور ويأخذ أنفي شكله النهائي ..

جدتي ؟؟ .. نعم أمد الله في عمرها كانت معي هنا قبل مجيئكم وفتحكم هذه الصفحة من حياتي.
تقدم بها العمر كثيرا وأصبحت تستحضر الماضي دائما وتحن إلى طفولتها وشبابها وأنا أستغرب كيف لها أن تحن لوقت كانت فيه تشبهني !! .. مجرد فتاة خجولة و ذات وجه مليء بالبثور وصاحبة أنف منتفخ ؟؟.
جدتي مازالت تتأمل شعري ورأسي .. و حتى يومي هذا لا أستطيع كشف السر الذي بات يؤرق مضجعي فعلا .. ماذا به شعري يا ترى ؟؟ ..

حتى الآن أبي يدللني ويقول بأني فتاته الجميلة .. وأراه كثيرا يتأملني ويهمس لأمي قائلا : " لن أزوجها .. ستبقى إلى جانبي وأدللها " .. فتجيبه أمي : " كيف لن تزوجها ؟؟ ألا تود رؤية أطفالها يوما ما و تسمع كلمة جدي ؟؟ لا .. سأزوج ابنتي وأفرح بها .. عسى الله أن يسعدها ويوفقها .. ولكن أولا يجب أن تكمل دراستها ".
"عجبا عجبا .. أراهما يتشوقان لرؤيتي عروس .. وأنا اشك بأني سأتزوج أساسا .. فمن يريد الزواج بفتاة ذات أنف متورم ؟؟".
أعرف ..صار أنفي مشكلتي وشغلي الشاغل .. أصبح عقدة حياتي .. أسأل الله أن يفكني منها ..

ما هذا ؟؟ .. من أين جاءت مجلة السيارات هذه إلى غرفتي ؟؟ .. امممم .. لابد وأنه أخي كعادته يلقي بها أينما شاء ..
أخي .. أخي .. آآه من هذا الوحش الذي لا يمل من عراكي ..ولا يمل من التفاخر بطول قامته الغريب وهيئة جسمه العجيبة التي بدت عليه .. وهذا الوجه المليء بالبثور .. حتى هو لم ينج منها .. وصوته .. هو ليس صوتا كبقية الأصوات .. إنه أشبه بصوت فرامل السيارات عندما تقف بشكل مفاجئ .. وضحكته عندما يضحكها يخيّل إلي بأن دراكولا خرج من كتب الأساطير وزارنا في بيتنا ، ضحكته مرعبة فعلا .
وأكثر ما يؤلمني هو فرض رجولته علي .. يتلذذ دائما بقول .. " أنا رجل وأنت بنت ".
يُسمح له بأشياء ممنوعة أنا عنها.. فأنا مثلا لابد و أن ألتزم بمواعيد العودة إلى المنزل أينما كنت خارجه .. أما هو فله مطلق الحرية في العودة ساعة يشاء . سألت أمي مرة بهذا الشأن .. فأجابتني : " هناك قوانين وعادات يفرضها علينا المجتمع لابد لنا من الالتزام بها .. و أنتِ من عائلة محترمة ومن غير اللائق تواجدك خارج البيت حتى ساعة متأخرة من المساء " .
بقيت أفكر كثيرا تلك الليلة بكلماتها و حقيقة لم أقتنع برأيها .. أنا من عائلة محترمة .. و أخي هو أخي .. إذن هو أيضا من عائلة محترمة .. ألا يعني هذا بأن ما يجري علي من قوانين لابد وأن تجري عليه أيضا ؟؟ .. أو أن ما يحق للرجل لا يحق للمرأة ؟؟ .
أو أنها إحدى الإجابات عن سؤال أرّق مخدع أحلام أولى سنوات العمر .. و متاهة من موانع باغتتني و ضِعت في منحنياتها و شعابها .. و قيود ألجمتني و أسرتني بحرفين فقط !! ..
تُرى .. هل هي تلك الــ كِخْ بمرادفات أخرى ؟؟ .. ربما ..

في أحد الأيام كنت أمر من أمام حجرته فرأيته يقف عند النافذة وقد ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة .. استغربت طريقة وقوفه .. فذهبت مسرعة إلى غرفة والداي لأستكشف ما ينظر إليه .. فوجدته يتحدث مع صديقه الواقف على رصيف الشارع بصوت عالي ويضحك ضحكته المرعبة .. هو لا يعرف بأن ضحكته وحدها تجعل النمل يختبئ في جحوره من شدة الفزع.
يفخر هو ببرعم رجولته .. فيما أنا أخجل من البثور المتناثرة على جبهتي .. رُحماك يا الله ..

دعونا من الحديث عن أخي .. ولأحدثكم عن الليل ..
يجذبني سكون المساء و غموضه.
كثيرا ما أجلس وحدي في حجرتي لأستمع لبعض الموسيقى الهادئة و أفتح ستار نافذتي لأسمح للقمر بزيارتي .. و أبقى معه ساهرة أرسم في مخيلتي رسما لفتاة أتمنى أن أكونها عندما أكبر .
أخبرتني عمتي أن هذه الحالة .. اسمها " أحلام يقظة " .كل خوفي أن أستسلم لهذه الأحلام حتى أصل إلى مرحلة لا أكاد معها أن أفرق بين الواقع و الخيال.." ها ها ها .. يا لغرابتي " .

عمتي هذه الإنسانة التي دائما ما تحاول التقرب مني أكثر من أي وقت مضى .. وعبثا ما كانت تحاول .. ليس لسبب سلبي .. بل لأنها في الأساس قريبة مني.
أعتبرها شقيقة وصديقة لي .. نتسامر كثيرا وندردش كثيرا و نضحك عاليا عندما تكون إحدانا برفقة الأخرى . هي مستودعا لأسراري و صداقتها ملجئي .
أمي عندما تراني شاردة الذهن قليلا أو أمكث مطولا في غرفتي تسألني فيما إذا كنت أواجه مشكلة معينة أو أشكو من أي عارض صحي .. تقلق كثيرا و لا أجد لقلقها مبررا و يبدو في غير محله ..
" يا ماما .. ليس عندي ما أخفيه .. كل ما هناك هو شعوري بأني يرقة تختبئ داخل شرنقتها بكل هدوء و خجل حتى تصحو ذات يوم و قد غدت فراشة ملونة تسحر الألباب " .
قد تطول الليالي و تطول معها رحلة عقارب الساعة حتى تنجلي ظلمة هذا المساء قبل أن تشرق شمس عمر جديد .. سأنتظره بفارغ الصبر .

أمسياتي هذه التي أحدثكم عنها يطول فيها سهري حتى ساعة متأخرة من الليل أقضيها بقراءة رواية رومانسية أو مشاهدة فيلم أجنبي ، وكثيرا ما يكون عاطفيا أو من أفلام الرعب .
صديقاتي يعلقن على ذوقي الذي يناقض بعضه بشأن نوعية الأفلام التي أشاهدها بقولهن : " قمة التناقض بين الرعب وبين الحب .. كيف باستطاعتك الجمع بينهما في مزاج واحد ؟؟ ".
ليس بالضرورة أن ما أشاهده لابد وأن يطابق بعضه بعضا أو أن يسير وفق منوال واحد لا يتغير .. ثم في ذروة الشعور بالرعب تكمن العاطفة والحنان .. ففي أي مشهد مرعب لابد وأن تكون هناك الأم التي تحتضن طفلها لتحميه .. أو رجلا يدافع عن امرأة ويحيطها برعايته و قد يفديها بروحه .. و مع كل قطرة دم تنزف يولد قلبا جديدا ينبض بالحب .. إن الحب والرعب يكملان بعضهما بعضا .. بشكل أو بآخر .

حسنا .. لقد فرغت من ترتيب خزانتي وثيابي و نعست كثيرا..حان وقت نومي الآن..
أستميحكم عذرا لقصر حديثي في هذه المرحلة فكما أخبرتكم سلفا لا أحب الحديث عنها فهي في نظري مرحلة مقتطعة من عمري .
لكن سأطلعكم على شيء أعرفه جيدا وأعيه جيدا جدا ..
ما أمر به الآن ما هو إلا مرحلة انتقالية من عالم الطفولة إلى عالم أكثر نضج وتوازن .. لكني تعبت من حساسيتي الزائدة وخجلي وبكائي السريع من أبسط موقف أمر به .
يا إلهي .. متى سأنتهي من كل هذا ؟؟.
كم أود لو أغمض عيناي وأفتحهما فأراني أكثر جمالا وأكثر مرحا .. ويتأكد أخي بأني كبرت ويكف عن مضايقتي.
وأيضا أتمنى أن تختفي هذه البثور عن وجهي .. وأن ينتهي هذا التورم في أنفي .


هل أدركتم الآن في أي مرحلة عمرية أنا ؟؟ .
" نعم .. صحيح .. أنا الآن مراهقة أبلغ من العمر خمسة عشر عاما .. مراهقة تتمنى أن تمضي الأيام سريعة لتكبر ..
.. تصبحون على خير .. أو صباح الخير ؟؟ .. لايهم " .



" بالمناسبة .. متى سأكبر ؟؟ "


******************************


يُتبع ..

* حقوق الأغنية محفوظة للفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف
 

الجمعة، 20 مايو 2011

متى سأكبر ؟؟ - قصة قصيرة ( الحلقة السابعة )







* طيري يا عصفورة .. أنا متلك حلوة صغيورة
الجزء الثاني





حال عودتنا من المدرسة أعدو مسرعة إلى غرفتي لأقوم بحل واجباتي و استذكار دروسي .. فيما ينصرف أخي إلى اللعب و متابعة التلفاز .

سأخبركم بسر صغير .. ذات يوم عدت من المدرسة وأنا حزينة وسعيدة في ذات الوقت ..

حزينة لأن معلمتي قبضت علي بالجرم المشهود .. شاهدتني وأنا أدُسّ رأسي في درج منضدتي و ألتهم قالب الشوكولاته الذي اشتريته من المقصف .. فانتشلته مني وهي غاضبة وتتوعد وتهدد بأن تقلص من درجاتي الفصلية ..كم شعرت بالكره نحوها في تلك اللحظة .
لم تدم كراهيتي لها غير سويعات من الزمن .. ففي نهاية اليوم الدراسي  رأيتها تنزلق وتقع في أحد الممرات أثناء سيرها.. كم ضحكت عليها.. وكم أحسست بعدها بتأنيب الضمير. " يا لي من فتاة شريرة " ..
حسنا أنا لا أكره معلماتي فجميعهن طيبات ولطيفات ويلصقن على جبيني النجوم والصور عندما أدرس باجتهاد .

بعد استذكار دروسي جيدا والانتهاء منها أخرج إلى الحديقة لألعب وأتأرجح قليلا ..
أحب الأرجوحة .. فمعها أشعر بأني عصفورة تطير و تغرد فوق السحاب.
" عصفورة .. عصفورة " .. ولحقت بها لأمسكها قبل أن تطير ..
أعشق تربية الحيوانات .. هوايتي وميولي و جُل اهتماماتي .. رغم أن محاولاتي لاقتناء بعضها كثيرا ما تبوء بالفشل.
في عصر أحد الأيام كنت ألعب بجانب الشجرة فرأيت نملة صغيرة تمشي وحدها .. فأمسكت بها سريعا ووضعتها داخل صندوق صغير و أغلقته عليها و قفلت عائدة إلى داخل البيت لأحضر بعض السكر.
عدت إلى نملتي .. بحثت عنها كثيرا ولم أعثر عليها .. هربت أكيد و ضاعت وسط زحام العشب.

ذات يوم أهداني أبي هرة صغيرة.. كانت هدية جميلة جدا انتظرتها بلهفة طفلة ترقب يوم عيد مولدها .
كل يوم يمر .. تكبر فيه قطتي وتكبر معها محبتي لها وللحيوانات جميعا .. حتى أنه وفي فترة من الفترات امتلأت حديقة بيتنا بالقطط .. حتى فاق عددهم خمسة وعشرين قطا .. ومعظمهم من الشارع.
لا يهم .. الأهم هو المتعة التي أشعرها وأنا أدللهم وألاعبهم و أطعمهم .
في يوم قريب .. سمعت أمي تقول لصديقتها " اثنان يصدقان في محبتهما للإنسان منا لا يخدعان ولا ينافقان .. ولن يكذبا .. الطفل  و الحيوان.. كلاهما يشعران بمن يحبهما بصدق وسيبادلانه الحب بحب وصدق و وفاء بلا مصالح و لا غاية ، حب نقي خالي من الشوائب " .
ستبقى كلماتها تلك معي إلى أبد الدهر .

أحيانا أشارك أخي اللعب بالكرة .. و رغما عني ..
أخي ؟؟ .. لا .. بل الوحش الكاسر .. فدائما نتشاجر ..
في إحدى المرات و فيما كنت منهمكة بالتلوين جاء هذا الوحش ودون سابق إنذار ضربني على رأسي و فر هاربا .. لحقت به راكضة وشعري يتطاير في كل اتجاه وأنا أقذف بأقلام التلوين على ظهره الضئيل .. فدلف مسرعا إلى غرفته وأغلق الباب .. دقائق معدودة وأدرت أكره الباب ففتحته .. مددت رأسي نحو الداخل بكل توجس وحذر فرأيته يقف في ركن الغرفة رابطا حول خصره حبلا متآكلا محاولة منه لتقليد أبطال الكاراتيه .. ويلف حول عينيه عصابة سوداء وعيناه الصغيرتان تظهران من خلف فتحات ممزقه بطريقة مضحكة فبدا شكله كسلاحف النينجا ..
 "مهلا مهلا .. لقد رأيت قطعة القماش السوداء هذه من قبل .. آها .. لقد تذكرت .. كنت أفرشها كسجادة لبيت الدمى الخاص بي وافتقدتها منذ أسبوع .. إذا أنت من استولى عليها .. حسنا سترى ما أنا فاعلة "..
كان ما يزال واقفا في ذلك الركن متحفزا لبدء جولة مصارعة عنيفة معي .. فما كان مني إلا أن تقدمت بخطى واثقة وملامح الثبات ترتسم على وجهي رغم أن قلبي كان يرجف .. ويتملكني إحساسا عارما بالفزع والخوف من حدوث أي حركة مباغتة منه  فأخرج من غرفته وأنا منهكة القوى و الكدمات والجروح تملآن وجهي، وفاقدة لبضع أزرار من ثوبي  وأنتعل بإحدى رجلي حذائي والآخر أكون قد أضعته في مكان ما في تلك الغرفة المرعبة ..
تقدمت قليلا نحو تلك القلعة أو الشيء الأشبه بالقلعة .. الذي صنعه من علب البيبسي الفارغة .. وبطرف إصبعي ضغطت على إحداها فانهارت جميعها وتساوت مع الأرض .
خرجت مسرعة من غرفته وهو منبطح هناك ويصيح  بمليء فيه :" لااااا" في حالة انهيار عصبي مؤقت.. عاد بعدها للانتقام مني .
كثيرا ما أشعر بالملل من الدمى التي أملكها فأذهب إلى حجرة عمتي لألعب معها قليلا.
كنت أحيانا أجدها منهمكة بالكتابة فتناولني ورقة و قلما لأرسم لها شيئا .. أي شيء يخطر على بالي في ساعتها ولو كان مجرد خربشات .
فتأخذها و تلصقها على الحائط  تصاحبها قبلة على خدي تقول لي : " أحلى رسمة في الدنيا " .
و لا أعلم حقيقة إن كانت فعلا خربشاتي أحلى رسمة أم تشجيعها لي أحلى مزحة ..
كنت يوما أشاهد حلقة من مسلسل الرسوم المتحركة الذي أتابعه يوميا وهمست في أذنها : " عندما أكبر سأتزوجه " .. قصدت بطل القصة . فأجلستني ملاصقة لها و قالت لي : " يا حبيبتي هذا فيلم كرتون .. يقومون برسمه وتلوينه كما ترسمين أنتِ رسوماتك الجميلة .. هو ليس حقيقيا ولا هو إنسانا مثلنا " .
استصعب علي فهم ما قالته .. بل صُدمت حقا بهذه الحقيقة التي أبدا لم انتظر سماعها ..
" فيلم كرتون ؟؟ .. رسم بالقلم والألوان ؟؟ .. هو ليس فارس أحلامي ؟؟ .. ليس إنسانا مثلنا ؟؟ .. مجرد رسم ؟؟ " .
وكانت الضربة القاضية لعاطفتي و مشاعري المولودة حديثا نحو هذا الرسم المتحرك .. كانت صفعة على وجه التلفاز .. وأول صدمة في حياتي .

في المساء وقبل النوم لابد لي أنا وأخي من بعض جولات المصارعة الحرة.. سلاحي فيها الوسائد وسلاحه العضلات .. هي ليست عضلات بمعنى عضلات تلك التي يملكها ضخام الأجساد .. لا يا أصدقائي .. بل هي بروز عظمي لزندين يشكوان ضآلته ..
أقذفه بوسادة فيلوي ذراعي .. أقذفه بأخرى فتصيب رأسه أو بطنه .. ويصيبني بسيل من اللكمات .
وفي مرة أصاب عيني فصرخت باكية من الألم . جاء أبي لاستطلاع الأمر، فوبخنا و هددنا بحرماننا من نزهة آخر الأسبوع .. وفعلا تم الحرمان .

أفكر كثيرا في هذا النوع من السياسة المتبعة لمعاقبتنا .. سياسة الحرمان .
" تُرى .. هل ستستمر على مدى السنوات القادمة و نُحرم من أشيائنا المفضلة ؟؟ .. أم هي سياسة مؤقتة حتى يتم تقويمنا بشكل إيجابي وصحيح  لتمر طفولتنا على خير وسلام ؟؟ " ..
لا أعرف !! ..
كل ما أعرفه الآن بأني عندما أكبر سأكون قوية كفاية لأقدر على لكم أخي و تعليمه درسا لن ينساه .

" متى سأكبر ؟؟ " .


*************************************
يُتبع ..

حقوق الأغنية محفوظة للمطربة اللبنانية ماجدة الرومي*